دخول الشركات الأجنبية إلى العراق: ما الذي يسبق بدء العمل؟

بقلم المحامي علي الخزاعي
المدير المفوض لشركة العزم للمحاماة والاستشارات والخدمات القانونية
حين تقرر شركة أجنبية دخول السوق العراقية، ينصرف اهتمامها عادةً إلى الفرصة التجارية، والشريك المحتمل، وقيمة العقد. وهذه بداية مفهومة، لكن هناك سؤالاً يستحق أن يرافقها منذ اليوم الأول: كيف ستعمل الشركة في العراق من الناحية القانونية؟
الإجابة تبدأ من طبيعة العمل نفسه. فشركة تبيع معدات وتوردها من الخارج تختلف عن شركة ترسل فريقاً لتركيبها وصيانتها داخل العراق. والشركة التي تتعاقد على خدمة محددة تختلف عن أخرى تريد افتتاح مقر وإدارة أعمال مستمرة. لهذا، فإن عبارة «دخول السوق العراقية» قد تصف حالات متباينة، ولكل منها متطلبات تحتاج إلى دراسة.
قد يكون تسجيل فرع للشركة الأجنبية خياراً مناسباً، وقد تستدعي خطة العمل تأسيس شركة عراقية بمساهمة أجنبية، ضمن الشروط القانونية التي تحكم النشاط. ولا تُقاس ملاءمة الخيار بسرعة التسجيل وحدها، بل بقدرته على استيعاب أعمال الشركة وعقودها والتزاماتها. وينظم القانون العراقي كلا المسارين، من خلال نظام فروع الشركات الأجنبية وقانون الشركات، مع مراعاة الأحكام الخاصة ببعض الأنشطة.
ومن الأسئلة التي تتكرر في هذا المجال: هل يجب على كل شركة أجنبية تتعاقد مع جهة عراقية أن تسجل فرعاً؟
الجواب يحتاج إلى قراءة العقد قبل إطلاق الحكم. فقد أضاف تعديل نظام فروع الشركات الأجنبية لسنة ٢٠٢٥ استثناءً للشركات المتعاقدة لتجهيز سلع أو خدمات من الحظر الوارد في المادة الرابعة عشرة، مع إخراج العقود التي تتضمن تقديم خدمات داخل العراق لمدة لا تقل عن سنة واحدة من نطاق هذا الاستثناء. لذلك، قد يختلف الموقف القانوني بين عقد توريد معدات وعقد يتضمن خدمات داخل البلاد لمدة سنة أو أكثر.
هذه التفاصيل تبيّن أهمية تحديد ما ستفعله الشركة فعلاً، وليس الاكتفاء بالعنوان المكتوب على العقد. فمن المفيد أن تراجع الشركة نطاق التزاماتها ومكان تقديم الخدمة ومدتها، قبل أن تحدد حاجتها إلى التسجيل أو ترتب موعد بدء العمل.
وهناك فرق آخر يجب أن يبقى واضحاً: تسجيل الفرع لا يعني أن الشركة حصلت على جميع الموافقات اللازمة لممارسة نشاطها. فنظام فروع الشركات الأجنبية يميز بين إجازة التسجيل ورخصة النشاط. وقد يتطلب العمل موافقات من الجهات المختصة، بحسب مجاله.
ويظهر أثر ذلك عند التخطيط للمشروع. فقد تضع الشركة جدولاً لتوريد المعدات أو وصول العاملين، ثم تكتشف أنها لم تحسم متطلبات الترخيص. والأجدى أن تدرس هذه المتطلبات مبكراً، حتى تبني التزاماتها التعاقدية على تصور واضح.
أما مستندات التسجيل، فتستحق عناية قبل تقديمها. إذ تشمل وثائق الشركة وبيانات إدارتها والتخويلات والحسابات المطلوبة، مع مراعاة الترجمة والتصديق. ويقلل وضوح الصلاحيات وتطابق البيانات من الحاجة إلى إعادة المراجعة وتصحيح الملف.
ولا تنتهي مسؤولية الشركة عند التسجيل. ففروع الشركات الأجنبية العاملة في العراق تدخل ضمن اختصاص الهيئة العامة للضرائب في تقدير ضريبة الدخل ومتابعة جبايتها. ولهذا، ينبغي أن تتضمن دراسة الدخول مراجعة الالتزامات الضريبية والمحاسبية، وشؤون العاملين، ومتطلبات العمل والإقامة بحسب الحالة. فهذه الجوانب تؤثر في كلفة المشروع وفي قدرة الشركة على الوفاء بما اتفقت عليه.
ويستحق العقد نفسه القدر ذاته من الاهتمام. فوضوح نطاق العمل، وشروط الدفع، وآلية قبول الخدمات، وحدود المسؤولية، وطريقة معالجة النزاع، يساعد الطرفين على معرفة ما لهما وما عليهما. وكلما حُسمت هذه المسائل قبل التوقيع، قلّت مساحة الخلاف حولها لاحقاً.
إن دخول الشركة الأجنبية إلى العراق يبدأ بقرار تجاري، لكنه يحتاج إلى دراسة قانونية ترافق هذا القرار. وأول ما أنصح به هو أن تعرف الشركة بدقة ما ستقدمه، وأين ستقدمه، ولمن، ولأي مدة. من هذه الإجابات يتحدد المسار المناسب، وتصبح الإجراءات جزءاً من خطة العمل منذ بدايتها.
هذا المقال يقدم معلومات عامة. ويحتاج تحديد المتطلبات لكل شركة إلى مراجعة نشاطها وعقودها والنصوص النافذة ذات الصلة.